عبد الله بن أحمد النسفي

127

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 182 إلى 185 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) 182 - وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يراد بهم ، وذلك أن يواتر اللّه نعمه عليهم مع انهماكهم في الغي ، فكلما جدّد « 1 » عليهم نعمة ازدادوا بطرا وجدّدوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النّعم ، ظانّين أنّ ترادف النّعم أثرة من اللّه تعالى وتقريب وإنما هو خذلان منه وتبعيد ، وهو استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة . 183 - وَأُمْلِي لَهُمْ عطف على سنستدرجهم وهو غير داخل في حكم السين أي أمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أخذي شديد ، سمّاه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان . ولما نسبوا النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الجنون نزل : 184 - أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ محمد عليه السّلام ، وما نافية بعد وقف ، أي أو لم يتفكروا في قولهم ، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ منذر من اللّه موضح إنذاره . 185 - أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الملكوت الملك العظيم وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وفيما خلق اللّه مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد وَأَنْ عَسى أن مخففة من الثقيلة ، وأصله وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن وهو في موضع الجر بالعطف على ملكوت ، والمعنى أو لم ينظروا في أنّ الشأن والحديث عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ولعلّهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ بعد القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا به ، وهو متعلق بعسى أن يكون قد اقترب أجلهم ، كأنه قيل لعلّ أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت ؟ وما ذا ينتظرون بعد وضوح الحقّ ؟ وبأي حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا ؟

--> ( 1 ) زاد في ( ز ) اللّه .